أبي منصور الماتريدي

245

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

بل هو راجع إلى كل من يوجد منه فعل السفه ؛ ألا ترى أنه إذا قيل : « كان يقول مسيئنا كذا » ، و « كان يقول فاسقنا كذا » ، لم يعن به فاسق ولا مسيء واحد على الإشارة « 1 » ؛ بل يراد به كل معروف بالإساءة والفسق ؛ فعلى ذلك قوله وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا ليس بمقتصر على الواحد ، بل هو راجع إلى كل من يوجد منه ذلك . ثم في هذه الآية دلالة أن النفر الذين استمعوا كانوا مؤمنين ، ولم يكونوا من أهل الكفر ؛ لأنهم لو كانوا أهل شرك ، لكانوا لا يضيفون فعل السفه إلى غيرهم ، ويخرجون أنفسهم منه ، وقد وجد منهم فعل السفه . ولو كانوا مشركين - أيضا - لكانوا يقولون مكان هذه الكلمة : « وإنا كنا نقول على الله شططا » ؛ ليكون ذلك منهم توبة ورجوعا عما كانوا فيه من الشرك والكفر ؛ شكرا « 2 » بما أنعم الله عليهم من عظيم « 3 » النعمة بأن هداهم للإيمان ، لا أن يضيفوا ذلك إلى سفهائهم ؛ فثبت أنهم كانوا مؤمنين . والشطط : الجور . وقال بعضهم : هو الكذب . وقال بعضهم « 4 » : الظلم . والشطط هاهنا الجور ، والجور ما أتوا به من القول الفاحش ، وهو الشرك بالله تعالى ، وهذا يبين أن الجور قبيح في كل الألسن وفيما بين أهل الأديان ؛ ألا ترى كيف سفهوا من يقول على الله تعالى بالجور . وقوله - عزّ وجل - : وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً . ذكر أبو بكر الأصم أنهم كانوا اعتقدوا أن لله تعالى صاحبة وولدا ؛ بما سمعوا [ الجن والإنس ] « 5 » يقولون ذلك ، وكان عندهم أنهم في ذلك صادقون ؛ فذلك المعنى هو الذي حملهم على القول بأن لله تعالى ولدا وصاحبة ؛ فلما ظهر عندهم كذب من يدعي اتخاذ الولد والصاحبة تبرءوا عمن يقول ذلك ؛ فثبت بهذا أنهم كانوا أهل شرك إلى ذلك الوقت ؛ فلما استمعوا إلى قراءة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، ولاحت لهم الحجج ، وارتفعت عنهم الشبه « 6 » ،

--> ( 1 ) في أ : الإساءة . ( 2 ) في ب : وشكروا . ( 3 ) في ب : عظم . ( 4 ) قاله ابن زيد أخرجه ابن جرير عنه ( 35065 ) . ( 5 ) في ب : الإنس والجن . ( 6 ) في أ : الشبهة .